الرئيسية | أرسل خبرا | إتصل بنا | عن مرايا | خدمة RSS
  • آخر الأخبار

    بالصور .. أبو عودة : وصفي التل أكبر صديق للقضية الفلسطينية

    توقيع كتابه ‘يوميات عدنان أبو عودة 1970 – 1988’

    مرايا – تصوير محمد قاسم – لنرفع القبّعة للمفكر العربي الحصيف والسياسي الأردني الإشكالي عدنان أبو عودة، الذي يؤرّخ في “يومياته” تفاصيل العمل السياسي في الأردن بين عامي 1970 و1988، فيفتح كوّة غير مسبوقة على كواليس مسرح الأحداث في فترة حرجة من عمر الوطن.
    في ثنايا توثيق “ابن الدولة” المتصالح مع نفسه ومع الآخرين، يسرد أبو عودة قصّة صعوده السياسي على مدى نصف قرن؛ مذ دخل معترك الحياة العامّة عبر بوابة دائرة المخابرات وصولا إلى ترجلّه عن المواقع السياسية مطلع الألفية الثالثة.
    يستذكر أبو عودة بدايات انضمامه إلى نادي “المعالي” حين عيّن وزيرا للثقافة والإعلام (برتبة رائد) زمن الحكومة العسكرية أيلول (سبتمبر) 1970، بعد أربع سنوات على انضمامه للمخابرات، محلّلا للمعلومات الاستخبارية، في دولة تقبع وسط برميل بارود وزلازل سياسية. ومن هناك إلى عضوية مجلس الأعيان ثم الوطني الاستشاري فوزير للبلاط، ومستشار سياسيا للراحل الملك الحسين بن طلال. ويتحرك في المناصب إلى رئاسة الديوان الملكي، مندوب الأردن الدائم لدى الأمم المتحدة وصولا إلى اختياره مستشارا سياسيا للملك عبدالله الثاني ثم العودة إلى الأعيان.
    لا تقتصر سيرة “شيخ السياسيين” على إنجازاته الوطنية وامتداداتها العربية. إذ كان عضو مجلس أمناء مجموعة الأزمات الدولية/ بروكسل (2004-2012)، وهو زميل محاضر في جامعة هارفرد الأميركية وباحث زائر في معهدي السلام الأميركي وودرو ولسون.
    بعد نصف قرن من الاشتباك اليومي، غادر أبو عودة المشهد السياسي بعد أن برِّئت ساحته من تهمة إثارة النعرات الطائفية العام 2007، بسبب كتاب أضاء فيه على التركيبة الديمغرافية المعقدة للأردن.
    تقع “يوميات عدنان أبو عودة” في 1066 صفحة موزعة على 15 فصلا، تؤرخ يوما بيوم لأحداث عاصفة، كانت حبيسة مذكّرات هذا المنظر السياسي المثقف، الجريء، الصريح وصاحب العقلية الناقدة.
    بين دفتي “اليوميات” كنوز من المواقف، القرارات والأحداث التي مرّت على حياتنا السياسية المغلقة، بما هي أرشفة لتقلّبات داخلية وكذلك العلاقات الأردنية–الفلسطينية–العربية، والدولية المتغيرة دوما.
    شهادات مثيرة جمعها أبو عودة، 84 عاما، في هذا الكتاب الذي أطلقة مساء أمس بمشاركة ثلاثة قامات فكرية وسياسية: المؤرخ والأكاديمي المخضرم د. علي محافظة، نائب رئيس الوزراء والسفير الأسبق د. مروان المعشر، والزميل الباحث والكاتب د. محمد أبو رمان. وحضر حفل التوقيع حشد من الأهل، الأصدقاء والمسؤولين السابقين؛ منهم من اختلف معه ومنهم من لازمه في السرّاء والضرّاء.
    وهي المرّة الأولى في تاريخ الأردن الحديث يتاح فيها للقارئ المحلي والباحث العربي الإطلاع على كواليس الأحداث وخلفيتها، بعيدا عن الخطاب الرسمي الموجّه والمنمّق وثقافتنا الشفهية القائمة على “قال وقلنا”.
    مقدمّة الكتاب جاءت على شكل حوار إنساني صريح وشفاف يتناول قصّة حياة المؤلف، منعطفاتها ودوره في النظام السياسي ورؤيته السياسية والفكرية. لكنّها أيضا ثريّة بالمعلومات المهمة، التحليل المعمّق والتوثيق السياسي لمحطّات مفصلية أسهم أبو عودة في صناعة أحداثها؛ وهو الذي تأرجحت مقاربة الناس حيال عمله بين العداء والمودة. إذ طالما اتهم من بعض أقربائه وأصدقائه بـ”العمالة والخيانة” لأنه انضم لمؤسسة الأمن في غمرة التوتر المتصاعد بين تنظيمات فلسطينية اصطدمت مع الدولة قبل أن تندلع أحداث 1970. في المقابل، نظر إليه زملاء ومسؤولون على أنه دخيل من الخندق الآخر.
    ولد وتربّى في كنف عائلة متواضعة في نابلس، حيث كان والده يعمل في مصنع صابون خلال الانتداب البريطاني. كاد ان ينخرط في مهنة ميكانيك السيارات عندما أغلقت المدارس لمدة عام لاستضافة اللاجئين العام 1948. لكن إصرار أمّه المحبّة أعاده إلى مقاعد الدراسة. مطلع خمسينيات القرن الماضي، انضم الفتى اليافع إلى حزب التحرير الإسلامي، قبل أن يتخذ اسمه هذا. ثم قفز إلى النقيض بانضمامه لخلايا الحزب الشيوعي كردّة فعل ناقمة بسبب حرمانه حينذاك من منحة دراسية في الخارج، بعدما حل سادسا على مستوى المملكة (الضفتان الشرقية والغربية) في ما كان يعرف بامتحان المترك (الثانوية). ثم من ناقم على السلطة إلى أحد مسنناتها.
    بعد المقدمة يعطينا أبو عودة وثيقة تاريخية وسياسية بالغة الأهمية، وإن كانت بداياتها الحقيقية العام 1972. ولكنها تغطّي أحداثا سبقت تلك الفترة وعلاقته الوثيقة برئيس الوزراء الأسبق الشهيد وصفي التل، وكذا دوره في تلك المرحلة وقصّة انخراطه في سلك المخابرات على يد صديقه، أول مدير لهذا الجهاز المرحوم محمد رسول الكيلاني.
    كما يحتوى الكتاب وثائق بخط اليد استغرق تصويرها، تجميعها وأرشفتها الكترونيا ما يقارب العامين، ذلك أنها لم تكتب أصلا من أجل النشر، حسبما يقول أبو عودة لكاتبة المقال. وهي تستعيد وقائع داخلية في أروقة مجلس الوزراء ومؤسسات الدولة وآليات اتخاذ القرارات، فضلا عن الصراعات الداخلية غير المعلنة بين أقطاب الدولة.
    صورة المشهد الداخلي لا تختلف كثيرا عن واقع اليوم
    نزولا عند رغبة المؤلف، حذف من “اليوميات” تدوينات قليلة تتناول حوادث شخصية، مسلكية أو اتهامات وشكوكا وحكايات، تبتعد في جوهرها، عن السياق السياسي والهدف من النشر. لكنّه يوثّق شبكة العلاقات بين النخب السياسية، ويكشف أسرارا مرتبطة برؤساء حكومات.
    المحطات الخارجية شملت قمّة الرباط وحرب 1973 ثم عودة مصر إلى الحظيرة العربية من بوابة الأردن. وكذلك الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، الاجتياح الإسرائيلي للبنان وإخراج منظمة التحرير من أراضيه، وقرار فك الارتباط القانوني والإداري الضفة الغربية، الذي شكّل نقطة تحول رئيسة في علاقة عمّان بالقضية الفلسطينية.
    لن أخوض كثيرا في ما وثقه أبو عودة لكي أترك للقارئ فرصة للاستمتاع بمطالعته.
    وسأتوقف عند مفاصل تعكس رؤية المؤلف التي سبقت زمنها وأيضا تحليلاته الرصينة بما هي تنطبق اليوم على شؤون عديدة في وسطنا ومحيطنا.
    عندما ذكر الأسباب الموجبة (ص 87) لاقتراحه هو والوزير الأسبق إبراهيم الحباشنة على الشهيد وصفي التل فكرة إعلان الاتحاد الوطني في الأردن العام 1972 كصيغة للعلاقة مع الفلسطينيين، ولامتصاص تداعيات أيلول على الوضع الداخلي، من خلال إنشاء كيان أو شبه حزب يضم فلسطينيين وأردنيين كشعب واحد.
    وعندما حلّل الموقف السياسي السوري العام 1980 (ص 613)؛ “كل من يصل إلى الحكم على ظهر دبابة يغدو بقاؤه الشخصي في الحكم ليس همّه الرئيس فحسب، بل ومحور تفكيره السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي. والرئيس السوري (وقتها) حافظ الأسد ليس استثناء عن هذه القاعدة”. لم يتغير الكثير في سورية، باستثناء حرب أهلية شرّدت ستة ملايين مواطن وقتلت 200 ألف، قبل تكشّف خيوط مؤامرة شارك فيها الحاكم وطيف المعارضة، التي خاضت حربا بالوكالة.
    خلال حواري في منزله مساء الأحد، أجاب أبو عودة عن سؤال ماذا تغيّر على الأردن منذ أن غادر المشهد السياسي؟:
    انتهى الصراع الأردني – الفلسطيني ولم يعد هذا المحور جزءا من ديناميكية السياسة الخارجية بعد ان كان ينظر دائما للأردن، وبجديّة تامة في أوساط الأميركيين وغيرهم، على أنه الشريك المحتمل لحل القضية الفلسطينية. وغابت القضية الفلسطينية عن الواجهة منذ 2011.
    كان العراق عمقنا الاستراتيجي. اليوم لم يعد لنا عمق وبتنا نعتمد على حالنا وآخرين.
    علاقاتنا مع سورية كانت تتذبذب دائما وما تزال.
    وختم قائلا: “نمر اليوم بمرحلة إعادة تشكيل إقليمية لا يعرف أحد كيف ستكون. الأمور غير محسومة بالنسبة لنا لأننا لا نعرف كيف ستؤثر علينا هذه العملية”. ففي هذا الجو الرجّاج، دخلت ثلاث دول مؤثرة على الخط: إسرائيل، تركيا وإيران فيما غابت الدول العربية كقوة مؤثرة. وحينما ننظر إلى الوضع اليوم نجده أسوأ مما كان عليه عشية حرب حزيران 1967.
    ينبغي التمعن في مضامين هذا الكتاب، الذي يضيف أجزاء جديدة لصور غير مكتملة الملامح ويقدّم عرضا مستقلا بزوايا مغايرة لقضايا شائكة وموضع جدل، تاركا للقارئ مهمة المقارنة، التحليل، الربط وإعادة البناء، لكي يفهم المطالع جزءا غامضا من تاريخ بلده والمنطقة.
    والأمل في أن يلهم هذا الكتاب مزيدا من المسؤولين – ممن كانوا ضمن الدائرة الداخلية- ما بين 1988 واليوم وغدا على توثيق مشاهداتهم وأفكارهم من أجل الأجيال القادمة.

    • رنا الصباغ – الغد 

     

    أخر الأخبار

    تعليقاتكم