يواجه نظام المقاول الذاتي في المغرب تحديات وجودية تهدد استمرارية الاف المشاريع الصغيرة، حيث كشف العديد من الشباب عن تعرضهم لخسائر فادحة دفعتهم الى اغلاق ابواب شركاتهم الناشئة بسبب ضغوط التمويل والضرائب.
واكد عدد من اصحاب المشاريع ان الوعود الحكومية بتقديم تسهيلات ضريبية وائتمانية اصطدمت بواقع مرير، مشيرين الى ان الارتفاع المفاجئ في الضرائب وغياب الدعم المالي الكافي ساهما بشكل مباشر في تدهور اوضاعهم المالية.
وبين اصحاب المبادرات ان ضعف الطلب في السوق المحلية، مقترنا بزيادة الاعباء المالية وتكاليف التشغيل، جعل من الاستمرار في هذا النشاط امرا مستحيلا، مما دفع الكثيرين منهم الى حافة الافلاس والانسحاب النهائي.
اختلالات هيكلية تعيق دمج الاقتصاد غير المنظم
واوضح مراقبون ان حالة التعثر التي اصابت نظام المقاول الذاتي تعكس خللا في استراتيجيات دمج الاقتصاد غير المهيكل، الذي يمثل ركيزة اساسية في النسيج الاقتصادي المغربي بنسبة تصل الى ثلث الثروة الوطنية.
واشار خبراء الى ان المبادرات الحكومية التي اطلقت للحد من البطالة لم تحقق اهدافها المرجوة، حيث لا تزال معدلات العاطلين عن العمل مرتفعة، مما يعكس فجوة كبيرة بين الخطط النظرية والتطبيق على ارض الواقع.
واضاف باحثون اقتصاديون ان غياب جهة رسمية مسؤولة عن احتضان هؤلاء المقاولين والاستماع لشكاواهم جعلهم في مواجهة مباشرة مع تعقيدات ادارية وبيروقراطية خانقة، مما افقد البرنامج الكثير من جاذبيته لدى الشباب الطموح.
ازمة التمويل والتامين تلاحق المشاريع الناشئة
وشدد اصحاب مشاريع على ان ازدواجية التأمين الصحي وتعدد الالتزامات المالية شكلت عبئا لا يطاق، خاصة في ظل غياب استراتيجية واضحة للمواكبة والتكوين المستمر الذي يحتاجه المقاول في سنواته الاولى من النشاط.
واكد مستشارون في الاعمال ان النظام الذي كان من المفترض ان يكون طوق نجاة للمشاريع الصغرى تحول الى فخ ضريبي، نتيجة لغياب منظومة متكاملة تشمل تبسيط الاجراءات الادارية وتسهيل الولوج الى الاسواق التنافسية.
واوضح رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة ان المقاربة الحكومية الحالية تفتقر الى العمق، حيث تكتفي بدورات تكوينية سطحية بدلا من توفير دعم استراتيجي يمتد لسنوات طويلة لضمان صمود المقاولات الناشئة امام تقلبات السوق.
ارقام صادمة ومطالب باصلاحات جذرية
وكشف تقرير حديث عن انسحاب نحو مئة وسبعين الف مقاول ذاتي من السوق، وهو رقم يدق ناقوس الخطر حول مستقبل هذه المبادرة التي كانت تعول عليها الدولة لامتصاص البطالة وتحفيز روح الابتكار الوطني.
واضاف مهتمون بالشأن الاقتصادي ان التجربة المغربية تحتاج الى مراجعة عميقة تستلهم النجاحات الدولية، عبر اشراك المقاولات الصغرى في صنع القرار الاقتصادي ومنحها مكانة حقيقية كشريك اساسي في التنمية المستدامة للبلاد.
وختم خبراء بالتأكيد على ان الرهان القادم لا يتطلب اطلاق برامج جديدة بقدر ما يتطلب بناء منظومة وطنية قوية، توفر للمقاول الذاتي الحماية والتحفيز والتمثيل داخل هيئات القرار لضمان استقرار ونمو اعمالهم.