بدات سلطات الاحتلال تنفيذ مشروع هندسي مثير للجدل داخل الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية، حيث شرعت في تسقيف صحن الحرم بآليات ثقيلة وسط تحذيرات من طمس الهوية التاريخية والمعمارية للمكان المقدس. وتتزامن هذه التحركات الميدانية مع تضييقات واسعة على المصلين ومنع رفع الاذان، مما يعكس واقعا جديدا يفرض بقوة السلاح على هذا المعلم الاسلامي العريق الذي يواجه مخاطر بيئية وانشائية جراء هذه التعديلات غير المدروسة.
واضاف مختصون في لجنة اعمار الخليل ان تسقيف الصحن المكشوف سيؤدي الى حبس التهوية الطبيعية داخل اروقة المسجد القديم، مما يرفع معدلات الرطوبة بشكل حاد ويؤدي الى تآكل الاحجار التاريخية للجدران. واكد الخبراء ان هذا العمل قد يتسبب في تصدعات انشائية تهدد سلامة البناء القائم منذ قرون، مشيرين الى ان هذه الخطوة تفتقر الى المعايير الهندسية اللازمة للحفاظ على الاثار الاسلامية من الاندثار.
وبين رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري ان ما يحدث هو تنفيذ فعلي لسياسة سحب الصلاحيات من المؤسسات الفلسطينية، موضحا ان الاحتلال يعمل على فرض امر واقع جديد لخدمة التوسع الاستيطاني في قلب المدينة. وشدد الجعبري على ان تسقيف الصحن ليس مجرد اجراء فني، بل هو محاولة ممنهجة لتغيير معالم الحرم الابراهيمي وتجريد الجهات الفلسطينية من حقها القانوني في ادارة وصيانة هذا المعلم التراثي العالمي.
مسار التدرج في خطة الخنق
وكشفت متابعات ميدانية ان هذه الاجراءات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجا لمسار طويل من القرارات التي اتخذتها حكومة الاحتلال برعاية وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بهدف احكام السيطرة على المسجد. واكدت التقارير ان المجلس الاعلى للتخطيط سحب صلاحيات البلدية في وقت سابق، مما مهد الطريق قانونيا لتجاوز الرفض الفلسطيني المستمر لمشاريع البناء الاستيطانية التي تستهدف محيط الحرم والبلدة القديمة بالخليل.
واوضحت المعطيات الرسمية ان الكابينت الاسرائيلي اقر في وقت سابق الغاء القوانين التي تمنع بيع اراضي الفلسطينيين، ونقل كافة صلاحيات ترخيص البناء من بلدية الخليل الى الادارة المدنية التابعة للجيش. واضاف المصدر ان سموتريتش اعلن مؤخرا اتمام اجراءات نقل المسؤولية الكاملة، وبدأت الجرافات في ازالة المظلة التاريخية للصحن تمهيدا لاكمال الهيكل الحديدي الجديد الذي يغير واجهة الحرم بشكل كامل ودائم.
وظهر ان هذا التحرك يمثل خرقا واضحا لبروتوكول الخليل الموقع عام 1997، والذي كفل للبلدية صلاحيات التخطيط والبناء والخدمات العامة في كافة ارجاء المدينة، بما فيها المناطق التي تخضع للسيطرة الامنية الاسرائيلية. واشار مراقبون الى ان الهدف من وراء هذه الخطوات هو تقليص النفوذ الفلسطيني وعزل الحرم عن محيطه الاجتماعي والوطني، تمهيدا لتنفيذ مشاريع استيطانية كبرى في المنطقة المصنفة تراثا عالميا مهددا بالخطر.
جذور الازمة وتطور المخطط
وبينت الاحداث التاريخية ان جذور هذه الازمة تعود الى عام 1994 عقب المجزرة المروعة داخل الحرم، حيث استغلت سلطات الاحتلال تلك الظروف لتقسيم المكان زمانيا ومكانيا وفرض قيود عسكرية مشددة. واكدت التقارير ان لجنة شمغار كانت البداية في سلسلة من القرارات التي قلصت صلاحيات الاوقاف والبلدية، حتى وصلت الامور الى نقل ادارة الحرم لمجلس ديني استيطاني يقر مشاريع البناء دون ادنى اعتبار للحقوق الفلسطينية.
واضاف المراقبون ان تشديد الحواجز العسكرية والبوابات الالكترونية المحيطة بالمسجد يهدف الى عزل المصلين وتفريغ الحرم من رواده، لضمان تنفيذ المخططات الاستيطانية بعيدا عن الانظار. واكدوا ان هذه السياسة تهدف الى تغيير الوضع القائم في الحرم الابراهيمي بشكل جذري، مستغلة حالة الانشغال الدولي لفرض سيادة ميدانية تخدم المشروع الاستيطاني التوسعي في مدينة الخليل العتيقة والمحاصرة.
واشار المختصون الى ان المجتمع الدولي مطالب بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات التي تطال معلما تاريخيا مدرجا على قائمة يونسكو، موضحين ان صمت الجهات المعنية يشجع الاحتلال على المضي قدما في اجراءاته. واكدوا ان الحفاظ على الحرم الابراهيمي يتطلب ضغطا حقيقيا لوقف عمليات التسقيف والاعتداءات على الصلاحيات المدنية الفلسطينية التي كفلتها المواثيق الدولية والاتفاقيات الموقعة منذ سنوات طويلة.