تواجه البنوك المركزية الكبرى تحديا كبيرا في ادارة الاسواق العالمية، حيث تحولت الادوات المخصصة لتعزيز السيولة ومنع الانهيارات المالية الى عوامل تساهم في تراكم الديون وتضخم الرافعة المالية بشكل غير مسبوق في القطاعات الاقتصادية.
وكشفت التحليلات الاقتصادية ان شبكة الامان التي وضعتها هذه المؤسسات لمنع الازمات اصبحت اليوم مصدرا رئيسيا للهشاشة، نظرا لانها تخفض تكاليف الاقتراض الحكومي وتدفع المستثمرين نحو تبني استراتيجيات مخاطرة عالية وغير محسوبة العواقب.
واظهرت البيانات ان توسع دور البنوك المركزية من مجرد مقرض اخير للبنوك الى صانع سوق اخير خلال الازمات، خلق حالة من الطمأنينة الزائفة لدى المستثمرين، مما شجع صناديق التحوط على بناء مراكز ديون ضخمة.
تريليونات تحت طائلة الرافعة المالية
وبينت تقديرات الاحتياطي الفدرالي ان صناديق التحوط ضاعفت حيازاتها من سندات الخزانة بشكل كبير خلال العقد الماضي، مستغلة توقعات استمرار تدخل البنوك المركزية لضمان سيولة الاسواق في حال حدوث اي اضطرابات مفاجئة في التمويل.
واوضحت التقارير ان هذه الصناديق تعتمد على استراتيجيات معقدة تستهدف فروق الاسعار الصغيرة، حيث تستخدم رافعات مالية تصل الى مائة ضعف، مما يجعل النظام المالي عرضة للاهتزاز عند اقل تذبذب في اسواق اعادة الشراء.
واكد خبراء اقتصاديون ان هذه الممارسات تخلق دائرة مفرغة، حيث يؤدي تدخل البنك المركزي لضمان السيولة الى تشجيع المزيد من الاقتراض، مما يستدعي لاحقا تدخلات اكبر للحفاظ على استقرار الاسواق ومنع الانهيار الشامل.
تداعيات دعم الاقتراض الحكومي
وذكرت التحليلات ان زيادة قدرة المستثمرين على شراء السندات بالرافعة المالية تساهم في خفض عوائد الدين الحكومي، وهو ما يخلق معادلة يستفيد منها الجميع مؤقتا قبل ان تنهار المراكز المالية تحت وطأة الضغوط الحقيقية.
واضافت المصادر ان مشتريات البنوك المركزية الضخمة للسندات ساهمت في استعادة السيولة، لكنها خلقت سيولة نقدية فائضة عقدت جهود مواجهة التضخم، وجعلت الاقتصاد العالمي اكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية والازمات الجيوسياسية المتلاحقة.
واشار محللون الى ان الاعتماد المتزايد على دعم البنوك المركزية يحول برامج الطوارئ الى قنوات لتيسير السياسة النقدية من الباب الخلفي، مما يجبر السلطات على تشديد الشروط الرقابية للحد من المخاطر الاخلاقية في الاسواق.
معضلة الانقاذ والسياسة النقدية
وبينت التجارب الاخيرة ان البنوك المركزية تحاول الموازنة بين توفير السيولة وبين تجنب تشجيع المخاطرة، وهي مهمة تبدو معقدة في ظل ترابط الاسواق المالية العالمية واعتمادها الكلي على تدخلات السلطات النقدية في لحظات الازمات.
واوضحت النتائج ان نجاح البنوك المركزية في احتواء اضطرابات السوق اليوم قد يزرع بذور ازمة مستقبلية اكثر تعقيدا، حيث تظل الهشاشة قائمة ما دامت اليات التدخل تعمل على تقليل الخوف من المخاطر لدى كبار المستثمرين.
واكد مراقبون ان النظام المالي بات محاصرا في دائرة يصعب كسرها، حيث يؤدي كل تدخل جديد الى زيادة الرافعة المالية، مما يفرض ضرورة التفكير في ادوات بديلة تضمن استقرار الاسواق دون التحول الى ضمان دائم للمخاطر.