لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية عابرة بل بات يشكل جوهر التحولات الكبرى في عالمنا المعاصر متجاوزا كافة الفوارق الثقافية والجغرافية ومضعا البشرية أمام مفترق طرق حاسم بين التنمية المستدامة والمخاطر الوجودية المعقدة.
وكشفت تقارير دولية حديثة عن تنامي القلق العالمي تجاه هذه التقنية حيث وقعت شخصيات بارزة بيانا يطالب بالتحرك الفوري لمواجهة تأثيرات قد تتجاوز في قوتها الثورة الصناعية وتتطلب تنسيقا دوليا عاجلا.
واضاف الخبراء ان الحاجة باتت ملحة لوضع اطار تنظيمي يضمن الاستخدام الامن للذكاء الاصطناعي بعيدا عن الهيمنة التقنية لجهة واحدة مع ضرورة اشراك كافة الاصوات العالمية في صياغة المعايير الاخلاقية الحاكمة لهذه التقنية.
خطوات جادة نحو حوكمة عالمية شاملة
وبينت التحركات الاخيرة في جنيف ان المجتمع الدولي يتجه نحو تبني منصات حوارية شاملة تحت مظلة الامم المتحدة لضمان عدم انفراد أي دولة بقرار يحدد مصير التطور التقني ومساراته المستقبلية في العالم.
واكد المشاركون في الحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي ان التنوع الجغرافي والسياسي للمشاركين يعكس ادراكا دوليا بحتمية التعاون المشترك لمجابهة التحديات التقنية التي تفرض نفسها بقوة على كافة القطاعات الحيوية في دولنا.
واوضح المتابعون ان هذا المسار الاممي الذي انطلق من ميثاق المستقبل يهدف الى خلق فضاء تشاوري يجمع بين رؤساء الدول والخبراء والاكاديميين لبناء مقاربات مشتركة تضمن الاستفادة من الفرص وتقليل المخاطر.
تجاوز المركزية الغربية في الخطاب الاخلاقي
وكشفت النقاشات الدائرة عن وجود خلل منهجي في الخطاب الاخلاقي السائد الذي يميل الى المركزية الغربية متجاهلا الخصوصيات الثقافية والدينية للمجتمعات الاخرى وهو ما يسعى العالم العربي لتصحيحه عبر مشاركة معرفية فاعلة.
وشدد المفكرون على ان الخطاب حول الذكاء الاصطناعي لن يرتقي ليكون عالميا ما لم تشارك فيه بقية الاصوات حول العالم حيث ترفض المجتمعات غير الغربية دور المتلقي السلبي او التابع للمنظومات القيمية الجاهزة.
وبينت الدراسات ان غياب الاشتباك المعرفي المباشر في مراحل تشكل التقنية ادى الى تهميش اصوات الاغلبية العالمية وهو ما دفع الدول العربية الى اعتماد استراتيجيات جديدة تضمن حضورها القوي في رسم السياسات الدولية.
بصمة عربية في تشكيل التحالف العالمي
واكدت دولة قطر من خلال مبادراتها في جنيف على دورها الريادي في اطلاق التحالف العالمي لاخلاقيات الذكاء الاصطناعي بهدف الانتقال من مقاعد المتفرجين الى منصة القيادة والتشريع الاخلاقي في هذا المجال الحيوي.
واضاف المسؤولون ان هذا التحالف يمثل ثمرة جهود بحثية ومؤسسية قادتها جامعة حمد بن خليفة عبر مركز دراسات التشريع الاسلامي والاخلاق لتقديم رؤية متكاملة تدمج بين التراث والقيم المعاصرة في سياق تقني.
واوضحت المبادرات الجديدة ان العمل يتركز على تدقيق الخوارزميات ورصد الانحيازات الثقافية وضمان السيادة على البيانات الوطنية مع تعزيز حضور اللغة العربية في النماذج اللغوية العالمية لضمان الانصاف المعرفي في العصر الرقمي.