تمر تونس بمرحلة مفصلية بعد مرور خمس سنوات على التحولات السياسية الكبرى، حيث تحاول الدولة الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتجنب الانهيار الاقتصادي وبين مطالب المواطنين المتزايدة بتحسين ظروفهم المعيشية الصعبة.
واوضحت التقارير الرسمية نجاح البلاد في تأمين سداد الديون الخارجية وتفادي التعثر المالي، رغم غياب التمويلات الخارجية الكبيرة والاعتماد بشكل شبه كلي على الموارد الذاتية والتمويلات الداخلية لضمان استمرارية المرافق العمومية والحيوية.
وبينت المؤشرات الاقتصادية تسجيل نمو طفيف لا يزال دون مستوى الطموحات، وسط دعوات متكررة من الخبراء بضرورة التوجه نحو إصلاحات هيكلية عميقة تتجاوز مجرد إدارة الأزمات اليومية وتؤسس لمرحلة جديدة من الإنتاج.
واقع النمو ومحدودية الإقلاع الاقتصادي
واظهرت بيانات المالية العمومية تحقيق نمو محدود خلال العام الاخير، حيث ساهمت بعض القطاعات الموسمية كزيت الزيتون في دفع هذه الارقام، غير ان الخبراء يؤكدون ان هذا النمو يظل ظرفيا ولا يعكس حركية حقيقية.
واضاف المختصون ان معدلات النمو الحالية تظل عاجزة عن استيعاب طالبي الشغل الجدد، مما يفاقم من ازمة البطالة التي تضرب صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، وهو ما يضع الحكومة امام تحديات اجتماعية متزايدة.
واكدت التحليلات ان الاقتصاد التونسي يحتاج الى استثمارات ضخمة ومناخ اعمال محفز لجذب رؤوس الاموال، مشيرين الى ان الاستقرار وحده لا يكفي لخلق الثروة المطلوبة لتحسين مستوى دخل الفرد وتطوير البنية التحتية.
التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين
وكشفت الارقام الرسمية تراجعا تدريجيا في نسب التضخم، وهو ما تعتبره السلطات نجاحا في السياسة النقدية، الا ان المواطن البسيط لا يزال يواجه ضغوطا معيشية كبيرة بسبب الارتفاع التراكمي لاسعار المواد الاساسية.
واشار المراقبون الى ان انخفاض مؤشر التضخم لا يعني تراجع الاسعار، بل تباطؤ وتيرة صعودها، مما جعل الاسر التونسية تعاني من تآكل مستمر في قدرتها الشرائية امام جمود الاجور وغلاء تكاليف الحياة اليومية.
واوضح المواطنون ان تحسن المؤشرات الكلية لا يترجم واقعيا في الاسواق، حيث تبقى كلفة العلاج والخدمات والسلع الاستهلاكية عبئا ثقيلا يرهق كاهل العائلات، مما يزيد من حالة الاحتقان الاجتماعي في مختلف المحافظات.
رهانات الاستقرار المالي والاصلاح الهيكلي
واكدت الحكومة حرصها على الوفاء بالتزاماتها المالية الدولية، وهو ما عزز الثقة في قدرة تونس على الصمود في وجه التحديات الخارجية، رغم الضغوط التي تفرضها خدمة الدين على ميزانية الدولة المخصصة للتنمية.
واضاف المحللون ان المرحلة القادمة تستوجب الشروع في إصلاحات جريئة تشمل المؤسسات العمومية ومسالك التوزيع، لضمان استدامة النمو وتحويل الاستقرار المالي الى مكاسب ملموسة تنعكس ايجابيا على حياة المواطن وتخلق فرص عمل.
وبينت التوجهات الاخيرة ان الاقتصاد التونسي يقف امام مفترق طرق، فإما الاستمرار في سياسة ادارة الازمات او الانتقال نحو نموذج تنموي شامل يحرر الطاقات الانتاجية ويحقق العدالة الاجتماعية المطلوبة في كافة القطاعات.