كشفت قراءات عسكرية حديثة ان عمليات تجريف الركام في قطاع غزة لا تهدف فقط الى ازالة اثار الدمار بل تمثل استراتيجية ممنهجة لاعادة تشكيل الميدان بما يخدم السيطرة العسكرية المطلقة للاحتلال ميدانيا.
واظهرت التحليلات ان المباني والطرقات في بيئة حرب المدن تعد عناصر حاسمة تتحكم في قدرة القوات على الرصد والحركة، وان ازالة هذه العناصر تمنح القوة المهاجمة مجالا اوسع للمناورة وتجريد المقاومة من غطائها.
واكد الخبراء ان هذا النهج يندرج ضمن ما يسمى باعادة هندسة البيئة الامنية والاجتماعية، حيث يتم تحويل الجغرافيا العمرانية الى نطاق مكشوف يسهل فيه تحرك الاليات العسكرية ويقلل الاعتماد على الكتل البشرية في الدفاع.
نموذج محور نتساريم العسكري
وبينت المتابعات الميدانية ان محور نتساريم وسط القطاع يعد النموذج الابرز لهذا التكتيك، حيث انشأ الاحتلال منظومة عسكرية متكاملة مع تجريف مساحات واسعة تصل الى كيلومترات عدة لضمان تأمين محيط الموقع العسكري.
واضافت المصادر ان هذا المخطط يهدف الى ابعاد اي عوائق عمرانية عن محيط المواقع العسكرية، مما يحول المنطقة الى نطاق مكشوف تماما امام الرصد ويمنع اي محاولات للاقتراب او التطويق من قبل المقاومة.
واوضحت القراءات ان السيطرة هنا لا تقتصر على النقطة العسكرية ذاتها، بل تمتد لتشمل الطرق المؤدية اليها وخطوط الرؤية والمساحات الشاسعة التي تتحرك فيها القوات لضمان هيمنة كاملة على المحيط الجغرافي.
عسكرة البيئة وتقليص الغطاء العمراني
وشدد المحللون على ان ازالة الركام تهدف الى توسيع هامش الحركة والرؤية امام القوات، فكلما تراجعت كثافة الانقاض اصبح الميدان اكثر انفتاحا، مما يحول التجريف الى اداة استراتيجية لتقليل المخاطر على القوات.
واشار الخبراء الى ان هذا التوجه يسمى بعسكرة البيئة، وهو اخضاع كافة عناصر الحياة المدنية من طرق ومبان وخدمات لحسابات السيطرة والقتال، مما يغير طبيعة الارض لتلائم متطلبات العمليات العسكرية المستمرة.
وكشفت المعطيات ان هذه السياسة ليست وليدة اللحظة بل تعود الى تجارب سابقة، غير ان ما يجري اليوم يتفوق تاريخيا من حيث حجم الدمار واتساع المساحات التي طالها التجريف لتغيير الواقع الميداني.
التكلفة الانسانية وضياع الادلة
واكدت تقارير حقوقية ان عمليات التجريف تسببت في تعقيد عمليات البحث عن جثامين المفقودين، حيث ادى نقل الركام الى طمس الادلة الميدانية في مواقع الهجمات، مما يفاقم معاناة العائلات في الوصول لذويهم.
واضافت المصادر ان الصعوبات تتضاعف في المناطق التي تخضع لسيطرة مباشرة او ما يعرف بالخط الاصفر، حيث لا تستطيع طواقم الانقاذ التحرك بحرية للبحث عن الضحايا او حماية الادلة من التلف والضياع.
وبينت التقديرات ان حجم الركام في غزة يقدر بنحو 50 مليون طن، وان عمليات اعادة الاعمار قد تتطلب مبالغ طائلة، مما يضع عبئا انسانيا واقتصاديا كبيرا يهدد قدرة السكان على استعادة حياتهم مستقبلا.