تتزاحم المشاهد المأساوية امام اعيننا ونحن نتابع وداع اكثر من مئة وعشرين شهيدا في قطاع غزة وسط واقع مرير يفرض نفسه على الجميع دون استثناء. كشفت هذه اللحظات القاسية عن تغير عميق في الذاكرة الجمعية التي استحضرت فجأة قصة صعود الفنان محمد عساف عبر برنامج اراب ايدول كرمز مختلف تماما عما نعيشه اليوم من انكسار وفقدان للامل.
واضاف المراقبون ان غزة التي كانت يوما ما مصدرا للالهام والامل تحولت بفعل ظروف الحرب الى مساحة للالم الجماعي الذي يلف الجميع. وشدد المحللون على ان المقارنة بين الحالتين ليست تقليلا من شأن التضحيات بل هي محاولة لفهم المسافة الشاسعة التي قطعها الوجدان العربي بين زمن الاحلام وزمن الاوجاع التي لا تنتهي.
وبين المتابعون ان تلك الحقبة الزمنية التي شهدت صعود عساف كانت تعبر عن رغبة عارمة في رؤية الفلسطيني كشخص مبدع يتحدى الحصار ويحقق النجاح. واكد ان ذلك الانتصار الرمزي منح العرب فرصة نادرة للاحتفاء بالحياة والجمال في مدينة عرفت بقدرتها على الغناء رغم كل القيود التي فرضها الاحتلال عليها طوال سنوات طويلة.
تحولات في الوعي الجمعي العربي
واوضح الخبراء ان العربي في عام الفين وثلاثة عشر كان يبحث عن بطل مدني يمكنه الالتفاف حول قصته الانسانية. واضاف ان عساف نجح في كسر العزلة وتقديم نموذج شاب خرج من مخيمات القطاع ليحمل صوتا يتجاوز الحدود ويصل الى قلوب الملايين دون سلاح او سلطة او مال.
واشار المراقبون الى ان الجميع وجد في تلك التجربة انعكاسا لكرامة الفلسطيني وحلم اللاجئ باثبات وجوده. وكشفت التحليلات ان تلك اللحظة كانت مشروعا عربيا جامعا يرى فيه الانسان العربي امكانية انتصار الجمال على القبح في زمن كان فيه التفاؤل لا يزال ممكنا.
وذكرت التقارير ان المشهد اليوم تبدل بشكل جذري حيث اصبحت الجنازات الجماعية هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها غزة. واكد ان البطل لم يعد الشاب الذي يغني للحياة بل اصبح الشهيد الذي يرحل مخلفا وراءه عجز العالم عن وقف نزيف الدماء في وقت يغيب فيه الفعل الحقيقي.
من حلم النهضة الى اختبار الضمير
واضاف المحللون ان الفرق بين اللحظتين يتجاوز مجرد كونه انتقالا من الفرح الى الحزن ليشمل تحولا في المزاج العام. واشاروا الى ان الجمهور العربي كان يؤمن في الماضي بأن النجاح الفردي قد يكون مدخلا لنهضة جماعية بينما سادت اليوم مشاعر الانهاك والخذلان.
وبينت الدراسات ان المسافة بين ليلة التتويج ويوم الوداع الكبير تعكس انتقال الغالبية من مرحلة البحث عن الامل الى محاولة النجاة من المأزق. واكد ان غزة لم تعد مجرد ملهمة للفرح بل اصبحت ضميرا حيا يختبر الانسانية كل يوم.
واوضحت النتائج ان غزة اليوم تقف على مفترق طرق بين موت الامة او حياتها في ظل صمت مطبق. واضاف ان تحول الذاكرة من التصفيق للنجاح الى البكاء على الضحايا يجسد عمق الجرح الذي اصاب الوجدان العربي في مقتل.