يتحول موقع برك سليمان الاثري جنوب مدينة بيت لحم الى ساحة مواجهة صامتة بين الفلسطينيين ومخططات الاحتلال الرامية للسيطرة على المعالم التاريخية، حيث يقبل الشبان على السباحة في مياهها لتثبيت هويتها الوطنية الفلسطينية. واكد الشاب قصي فرارجة ان التواجد في هذا المكان التاريخي يمثل رسالة حية للحفاظ على الارث الفلسطيني ومنع المستوطنين من وضع يدهم على هذا المعلم الذي يعد جزءا اصيلا من ذاكرة المنطقة وهويتها العربية.
وبين ان المبادرات الفردية والجماعية التي يقوم بها المواطنون تعكس حالة من التمسك بالارض، اذ لم تعد البرك مجرد وجهة للترفيه والاستجمام العائلي بل تحولت الى رمز للصمود امام محاولات التهويد المتكررة والممنهجة. واضاف ان الحضور المستمر في الموقع يقطع الطريق على اي اطماع استيطانية تهدف الى طمس المعالم التاريخية وتحويلها الى ملكيات احتلالية، مشددا على ان كل قفزة في المياه هي اعلان تمسك بحق فلسطيني تاريخي.
ابعاد تاريخية وجيوسياسية
واوضح الباحثون ان برك سليمان تعد نموذجا هندسيا فريدا في المنطقة حيث كانت تشكل شريان الحياة الرئيسي لنقل المياه الى مدينة القدس عبر قنوات تاريخية معقدة تعود لفترات زمنية غابرة تمتد للعصور الرومانية والاسلامية. واكدت وزارة الاوقاف الفلسطينية ان هذه المواقع مسجلة رسميا كوقف اسلامي خالص، محذرة من التهديدات الاسرائيلية المتكررة بضمها، ومشددة على ان الوثائق التاريخية تقطع بصحة الملكية الفلسطينية للموقع الذي يواجه مخاطر حقيقية جراء الاطماع الاحتلالية.
وكشفت متابعات ميدانية ان التوتر الجيوسياسي الذي يحيط بالموقع يفرض واقعا جديدا يتطلب حماية شعبية مستمرة، خاصة بعد اقتحامات مسؤولين في حكومة الاحتلال التي اثارت غضبا واسعا واكدت نوايا السيطرة على مصادر المياه والاثار. واشار مراقبون الى ان استهداف برك سليمان يندرج ضمن استراتيجية اوسع تهدف الى عزل المواقع الاثرية في الضفة الغربية عن محيطها الفلسطيني، مما يجعل من التواجد الشعبي اليومي ضرورة ملحة لحماية هذا الارث الثقافي من الضياع.
متنفس طبيعي وصمود
واظهرت شهادات المواطنين ان برك سليمان تشكل المتنفس الوحيد المتاح للاهالي في ظل التضييقات، حيث يستذكر كبار السن ايام كانت البرك وجهة للعائلات من مختلف المدن الفلسطينية بما فيها غزة قبل تقييد الحركة. واضاف خالد عيسى ان الارتباط بهذا المكان يتجاوز البعد السياحي ليشمل علاقة وجدانية تربط الاجيال بتاريخهم، مبينا ان محاولات التضييق الاسرائيلي تزيد من اصرار الشباب على ارتياد الموقع وتكثيف تواجدهم فيه كنوع من المقاومة السلمية.
وتابع امير علاء الدين ان ارتياد البرك اصبح فعلا سياسيا عفويا يهدف الى ابقاء المكان تحت السيادة الفلسطينية، مؤكدا ان الشباب يدركون جيدا ان غيابهم يعني فسح المجال امام المستوطنين للسيطرة على المنطقة. وبين محمد عيسى ان المكان يمثل جزءا من طفولة الكثيرين، ومن الصعب التخلي عن معلم تاريخي تشبعت به الذاكرة الوطنية، مشيرا الى ان الحضور الفلسطيني المكثف يمثل درعا بشريا لحماية الهوية الوطنية من محاولات التهويد المستمرة.