لم يعد تطوير الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني نحو الكفاءة والابتكار، بل تحول إلى ساحة معقدة تتداخل فيها معايير السلامة مع طموحات احتكار الحوسبة والرقائق والبيانات في ظل صراع النفوذ العالمي.
وكشفت التغطيات الصحفية الصينية أن النقاش الدائر حول إبطاء تطوير النماذج المتقدمة لا ينفصل عن تساؤلات جيوسياسية كبرى، حيث يرى البعض أن الضوابط قد تكون وسيلة لمنع فقدان السيطرة البشرية على الآلة.
وتشير التحليلات إلى أن الهدف الحقيقي من وراء هذه الدعوات قد يكون إبطاء المنافسين وحماية تفوق الشركات الكبرى والدول المهيمنة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى هذه القيود في السوق.
تحذير تقني ام اعادة تموضع استراتيجي؟
وعرضت صحيفة هوان تشيو الصينية دعوة داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة انثروبيك إلى إبطاء تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن المخاطر المرتبطة بها باتت جسيمة وأن تدابير الوقاية لا تواكب التقدم التقني.
واقترح أمودي إنشاء فرق تقييم مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة للتحقق من الالتزام بمعايير السلامة وتقييم النماذج، مع ضرورة الإبلاغ عن الحوادث الأمنية لضمان عدم خروج هذه التكنولوجيا عن السيطرة البشرية المباشرة.
وذكرت تقارير أمريكية أن هذا الطرح لقي تأييدا من سام التمان الرئيس التنفيذي لشركة اوبن ايه آي، وإيلون ماسك، مما يوحي بأن الخوف من الذكاء الاصطناعي بات في مركز اهتمام الصناعة.
ضوابط بلا تنازل عن التفوق
وبينت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن التوجه الأمريكي لا يحسم لصالح الإبطاء، حيث قلل الرئيس دونالد ترمب من الحاجة لكبح التطوير مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تستطيع التفريط بتفوقها التقني.
وأوضح رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن أمن الولايات المتحدة القومي مرتبط بعدم خسارة التفوق على الصين، وهو ما يعكس مفارقة بين الاعتراف بالحاجة للحواجز الوقائية ورفض أي تنظيم يضعف السرعة.
وتتحول إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي ضمن هذه الشروط إلى جزء من تعزيز القوة الوطنية، حيث تتداخل الحسابات الصناعية مع ضغوط مراكز البيانات واستهلاك الطاقة وتأثيرات الأتمتة على الوظائف في المستقبل.
السلامة ليست حصارا تقنيا
وتتبنى صحيفة غلوبال تايمز الصينية قراءة نقدية لطرح أمودي، معتبرة أن ربط السلامة بقيود على الصين يكشف تداخلا واضحا بين المخاوف التقنية المشروعة والمصالح التجارية الضيقة للشركات الكبرى.
وأضافت أن أمودي لم يكتف بالدعوة لتقييمات دولية، بل طالب بتقييد وصول الصين للرقائق المتقدمة ومعدات التصنيع، مما يهدف بحسب التقديرات إلى إبطاء الصين وتوسيع أفضلية الولايات المتحدة خلال السنوات القادمة.
وأكدت شياو تشيان من جامعة تشينغهوا أن صعود النماذج الصينية المفتوحة يمثل منافسة مباشرة لمسار النماذج المغلقة، مما يجعل السلامة وسيلة لرفع حواجز الدخول وحماية موقع الشركات التي تملك القدرة التمويلية.
امن البيانات والسيادة الوطنية
وكشف وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين أن الذكاء الاصطناعي بات ساحة للمنافسة الإستراتيجية، محذرا من توظيف هذه الأدوات في التضليل أو الهجمات السيبرانية أو جمع بيانات الدولة الحساسة والأسرار التجارية.
وأظهرت بكين رفضها للقيود التقنية الإقصائية على إمدادات الرقائق، داعية إلى نظام دولي عادل ومفتوح يدعم بناء القدرات في دول الجنوب العالمي، بعيدا عن الاحتكار الذي تفرضه الشركات العابرة للحدود.
وختاما، فإن معيار الحوكمة الناضجة لن يكون في تحديد من يمتلك حق تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في ضمان سيطرة البشر على التكنولوجيا وألا تتحول شعارات السلامة إلى غطاء للاحتكار الدولي.