تشهد تكنولوجيا الاتصالات تحولا جذريا مع اقتراب الجيل السادس الذي لن يكتفي بنقل البيانات فحسب بل سيحول ابراج الشبكة الى مستشعرات فائقة الدقة قادرة على رصد الحركة وتفاصيل البيئة المحيطة بدقة مذهلة.
وكشفت الدراسات التقنية الحديثة ان هذه الشبكات ستستخدم الموجات الراديوية لاستشعار الاجسام والاشخاص خلف الجدران من خلال تحليل انعكاسات الاشارات اللاسلكية وتغير خصائصها عند اصطدامها بالاجسام الثابتة او المتحركة في المحيط.
واوضحت الابحاث ان هذه التقنية تدمج بين وظائف الاتصال والاستشعار في منصة واحدة مشتركة مما يتيح للشبكة تقدير المسافة والسرعة والاتجاه بدقة متناهية دون الحاجة لاستخدام كاميرات تقليدية في الاماكن العامة.
من نقل البيانات الى استشعار البيئة
وبين الخبراء ان الاجيال السابقة ركزت فقط على السرعة والسعة بينما يضيف الجيل السادس قدرة الوعي بالمحيط الفيزيائي عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الراديوية المستخرجة من الفضاء العام.
واضافت التقارير ان الاتحاد الدولي للاتصالات ادرج تكامل الاستشعار ضمن سيناريوهات الجيل السادس الرئيسية حيث يتم استغلال التلاشي والانعكاسات التي كانت تعتبر سابقا عيوبا في الاشارة لتحويلها الى ادوات رصد.
واكد الباحثون ان هذه المنظومة قادرة على التقاط مؤشرات حيوية مثل نمط التنفس وضربات القلب في ظروف تجريبية مما يفتح افاقا واسعة للتطبيقات الصحية الذكية والمراقبة الامنية المتقدمة دون اجهزة قابلة للارتداء.
مدى استشعار الشبكة خلف الجدران؟
وذكرت التجارب الميدانية التي اجريت في مراكز الابتكار ان استخدام ترددات عالية جدا مثل ما دون التيراهيرتز يساهم في تحسين دقة الزاوية والمسافة مما يجعل رصد الاشياء خلف الحواجز امرا ممكنا وعمليا.
واشار المهندسون الى ان حركة الانسان داخل الغرف تسبب تغييرات مستمرة في خصائص القناة الراديوية وهو ما يسمح ببناء تمثيلات ثلاثية الابعاد تقريبية للبيئة المحيطة ورصد الانشطة البشرية بدقة عالية.
واوضحت النتائج ان هذه التكنولوجيا ستساهم في تطوير انظمة الملاحة الذكية والمدن الواعية عبر رصد المركبات والمشاة في التقاطعات المحجوبة وتنبيه السيارات ذاتية القيادة للمخاطر قبل وقوعها بوضوح تام.
من السلامة العامة الى المدينة الواعية
وبينت الدراسات ان هذه التقنية ستحدث ثورة في ادارة المجال الجوي المنخفض عبر رصد الطائرات المسيرة غير المصرح لها وتامين المناطق الحيوية والمطارات من التهديدات المحتملة بشكل الي ومستمر.
واضاف المطورون ان المصانع ستستفيد من هذه الشبكات في تتبع الروبوتات والعمال لتعزيز السلامة المهنية وتقليل الاعتماد على الكاميرات التقليدية في مراقبة تدفق العمل داخل البيئات الصناعية المعقدة والمغلقة.
واكدت التجارب ان قدرة الشبكة على رصد الاشخاص دون الحاجة لارتداء اجهزة متصلة تعزز من كفاءة الاستجابة للطوارئ وتتيح مراقبة حيوية للمصابين في ظروف يصعب فيها الوصول البصري المباشر.
تهديد الخصوصية
وكشفت التحليلات ان هذا التطور يثير مخاوف جدية تتعلق بالخصوصية حيث ان القدرة على الرصد تشمل اشخاصا غير متصلين بالشبكة ولا يملكون وسيلة للموافقة على جمع بياناتهم الشخصية او الحيوية.
واوضح تقرير المعهد الاوروبي لمعايير الاتصالات ان هناك مخاطر مرتبطة بالتنصت على بيانات الاستشعار او اساءة استخدامها في التنميط السلوكي مما يتطلب وضع ضوابط قانونية وتقنية صارمة للحد من التجاوزات.
وشدد الخبراء على ان تشفير محتوى الاتصالات وحده لن يكون كافيا لحماية المستخدمين لان بيانات الاستشعار يتم استخلاصها من خصائص القناة الراديوية نفسها قبل تحويلها الى بيانات رقمية عادية.
حماية الخصوصية في العصر الراديوي الجديد
واضافت الهيئات التنظيمية انها تعمل على تطوير معايير تضمن تقليل البيانات والمعالجة المحلية للمعلومات الحساسة لضمان عدم تعرض خصوصية الافراد للانتهاك اثناء مرورهم في نطاقات تغطية شبكات الجيل السادس.
وبينت الابحاث ان استخدام الاسطح الذكية القابلة لاعادة التهيئة قد يساعد في توجيه الموجات وتقليل دقة الاستنتاج في المناطق الحساسة مما يوفر توازنا بين فوائد التقنية والحفاظ على الحقوق الفردية.
واكد المتخصصون في الختام ان التحدي الحقيقي لن يكون في التقنية ذاتها بل في وضع اطار قانوني يحدد من يملك حق تشغيل قدرات الاستشعار وما هي حدود جمع المعلومات عن البشر.