مرايا -
حظي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، باهتمام واسع وإشادة سياسية ونقابية وشعبية، لما حمله من مواقف واضحة وحازمة تجاه القضية الفلسطينية وأزمات المنطقة، ومسؤولية المجتمع الدولي، إلى جانب تأكيد حماية أمن الأردن وحدوده ومياهه ومصالح شعبه.
وجاء الخطاب، الذي ألقاه جلالة الملك عقب كلمة الرئيس الأميركي، حاملاً رسائل مباشرة أمام قادة العالم، وتخللته لحظات تصفيق من الحضور، فيما رأى سياسيون ونقابيون أن جلالته وضع المجتمع الدولي أمام حقائق الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وحسم الموقف الأردني من الملفات التي تمس الأمن الوطني والمصالح العليا للمملكة.
القضية الفلسطينية.. رفض الاحتلال والتهجير
ركز جلالة الملك على ما تشهده الأراضي الفلسطينية من حرب وانتهاكات إسرائيلية، محذراً من أن استمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير والعنف يقوض فرص السلام وحل الدولتين، ومؤكداً أن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عما تشهده الضفة الغربية.
وأكد جلالته أن استمرار التعامل مع الصراع على أساس إدارته واحتواء تداعياته، بدلاً من معالجة جذوره، أدى إلى تفاقم الأزمات وتعقيد فرص الوصول إلى حل عادل، مشدداً على ضرورة أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته وأن ينتقل من المواقف إلى إجراءات فاعلة.
وأشار سياسيون تحدثوا لـ"الدستور" إلى أن الخطاب أعاد التأكيد على ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها رفض التهجير القسري، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وقال الوزير الأسبق وعضو مجلس الأعيان خالد الكلالدة إن الخطاب جاء في سياق التحذيرات التي أطلقها جلالة الملك على مدى سنوات بشأن سياسات الحكومة الإسرائيلية، لافتاً إلى أن ما يجري لا يتعلق بمجرد إجراءات لضم الأراضي، وإنما بمخططات يتم تنفيذها على الأرض منذ فترة طويلة.
وأضاف أن جلالة الملك أشار إلى أن إسرائيل لا تأبه بالقرارات الدولية، فيما أكد أن ما يحدث في غزة والضفة الغربية قضية واحدة، محذراً من أن التهجير يمثل جريمة حرب، وأن اعتداءات المستوطنين لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد أعمال شغب منفصلة عن دعم جيش الاحتلال لها.
القانون الدولي.. قرارات “حبر على ورق”
من أبرز الرسائل التي توقف عندها المتحدثون، حديث جلالة الملك عن ازدواجية التعامل الدولي مع القانون والمساءلة، وتساؤله عن سبب بقاء أدوات العقاب والمحاسبة التي يمتلكها المجتمع الدولي "حبراً على ورق" عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
ورأى مساعد رئيس مجلس الأعيان زهير أبو فارس أن جلالة الملك استخدم منصة الأمم المتحدة لشرح الموقف الأردني وثوابت المملكة، مشيراً إلى أن الخطاب وضع المجتمع الدولي أمام واقع أصبحت فيه قواعد القانون الدولي عاجزة عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية.
وأكد أن جلالة الملك تحدث بوضوح عن التدمير والضحايا في غزة، والتغيير المتواصل للواقع على الأرض في الضفة الغربية، والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير، مشيراً إلى أن ما تقوم به إسرائيل يهدف إلى فرض واقع جديد لا يقبله الأردن.
كما لفت إلى تأكيد جلالة الملك أن الحديث عن الصراع باعتباره حرباً دينية توصيف غير صحيح، وأن القضية ترتبط بالحقوق والعدالة والاحتلال، بالتوازي مع التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
الأردن.. الأمن والمياه والحدود خطوط حمراء
وحملت الكلمة رسائل مباشرة بشأن المصالح الأردنية، في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة، خصوصاً ما يجري في جنوب سوريا وما يرتبط بالأمن المائي والحدود الشمالية للمملكة.
وأكد جلالة الملك أن الأردن لن يشيح بنظره عن أي تهديد، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه، في تأكيد على أن الدبلوماسية الأردنية والانفتاح على الحوار لا يعنيان التهاون في حماية الأمن الوطني والسيادة والمصالح العليا.
وقال رئيس مجلس النواب مازن القاضي إن جلالة الملك تحدث بثقة الدولة التي تعرف مصالحها وتدرك حجم التحديات المحيطة بها، مؤكداً أن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن القومي.
وأشار القاضي إلى أن مجلس النواب يقف خلف جلالة الملك والجيش والأجهزة الأمنية في حماية أمن الأردن واستقراره وسيادته، لافتاً في الوقت ذاته إلى استمرار المملكة في مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات وتعزيز قدراتها الدفاعية، إلى جانب بناء روابطها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية مع المنطقة.
خطاب يجمع الحزم بالدبلوماسية
وقال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية حسن المومني إن خطابات جلالة الملك في الأمم المتحدة أصبحت مرجعية إقليمية ودولية في تناول قضايا الأمن والسلام، مشيراً إلى أن الخطاب جمع بين الحزم والشجاعة من جهة، والدعوة إلى العمل الدولي المشترك والدبلوماسية من جهة أخرى.
وأوضح أن جلالة الملك وضع أمام العالم واقع الإقليم، من القضية الفلسطينية إلى التطرف والإرهاب والأزمات المتعددة، مؤكداً أن التحديات التي تواجه العالم تتجاوز قدرة الدول منفردة وتتطلب عملاً جماعياً.
وأشار المحلل والباحث السياسي منذر الحوارات إلى أن أهمية الخطاب تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة توترات وأزمات متزامنة، من الضفة الغربية وغزة إلى اليمن ولبنان وسوريا، فضلاً عن التهديدات التي تطال حركة الملاحة في هرمز وباب المندب، معتبراً أن الخطاب قدم الموقف الأردني بوضوح تجاه هذه الملفات.
وأكد الحوارات أن جلالة الملك شدد على رفض المساس بسيادة الأردن وأمنه، والتمسك بالوصاية الهاشمية، ورفض تهويد القدس، إلى جانب حق المملكة في حماية أمنها ومصالحها.
رسائل تتجاوز فلسطين إلى أزمات العالم
ولم يقتصر خطاب جلالة الملك على القضية الفلسطينية، بل تناول الأزمات التي يشهدها العالم وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية والأمنية، بما في ذلك لبنان واليمن والسودان، وانعكاسات الصراعات على التجارة والاستثمار والطاقة والغذاء.
وأكد جلالته أن العالم يعيش مرحلة تتسارع فيها الأزمات، وأن ما يختار المجتمع الدولي أن يمنحه اهتمامه يؤثر في مصير النزاعات والأزمات الإنسانية، محذراً من أن ما يتم إهماله اليوم قد يشكل مستقبل الغد.
كما شدد على أن استمرار الصراعات دون حلول يفاقم عدم الاستقرار ويقوض فرص التنمية، داعياً إلى معالجة جذور الأزمات بدلاً من الاكتفاء باحتواء تداعياتها.
وقال أمين عام حزب التغيير فوزان البقور إن الخطاب ربط بين أزمات المنطقة وتداعياتها التي تتجاوز الحدود لتطال التجارة والاستثمار وحياة الشعوب، مؤكداً أن معالجة أسباب عدم الاستقرار ضرورة لحماية الأمن الإقليمي والدولي.
إشادة نقابية بثوابت الخطاب
وأشادت النقابات المهنية بمضامين الخطاب، مؤكدة أنه عكس ثبات الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية والأخلاقية.
وأكد نقيب المهندسين عبدالله عاصم غوشة أن الخطاب جسد رؤية أردنية تقوم على حماية المصالح الوطنية، وخصوصاً الحدود والمياه والقضية الفلسطينية، مشيراً إلى أهمية ما تضمنه من تأكيد على تطبيق القانون الدولي بمعايير موحدة، ورفض اختزال الصراع في بعد ديني.
كما أكدت نقابة المقاولين أن الخطاب عبّر عن الموقف الأردني الراسخ تجاه القضية الفلسطينية، ورفض التهجير والاستيطان ومصادرة الأراضي، ودعا إلى السلام العادل وحل الدولتين، فيما شددت على ضرورة عدم إخضاع التعامل مع الأزمات لمستوى الاهتمام الإعلامي بها.
وأعربت نقابة الجيولوجيين عن اعتزازها بالموقف الملكي تجاه القضية الفلسطينية ورفض طمس حقوق الشعب الفلسطيني، مؤكدة أن السلام الحقيقي يرتبط بإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة.
بدورها، أشادت الأمانة العامة لمجمع النقابات المهنية بالخطاب، معتبرة أنه حمل صوت الأردن في الدفاع عن الحق والعدالة وكرامة الشعوب، وجدد التأكيد على ثوابت المملكة تجاه القضية الفلسطينية والقدس.
النواب والأعيان: موقف أردني ثابت
ووصف رئيس مجلس النواب مازن القاضي الخطاب بأنه رؤية أردنية متكاملة وخريطة طريق نحو السلام العادل القائم على حل الدولتين، مؤكداً أن الأردن سيواصل حماية أمنه وسيادته ومصالح شعبه.
فيما أكد رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز أن جلالة الملك وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والإنسانية والأخلاقية، محذراً من أن استمرار الصراعات دون حلول قد يحولها إلى حقائق دائمة.
وأشار الفايز إلى أن جلالة الملك عرض ما تقوم به إسرائيل من توسع استيطاني ومصادرة للأراضي وتهجير واعتداءات في الضفة الغربية، واستمرار الحرب في غزة، مؤكداً أن هذه الممارسات ستدفع المنطقة نحو مزيد من الفوضى والصراعات.
كما توقف الفايز عند رسالة جلالة الملك بشأن أدوات المساءلة الدولية، وتأكيده أن المجتمع الدولي يمتلك وسائل العقوبات والمحاسبة عندما يريد، متسائلاً عن سبب عدم تفعيلها في الحالة الإسرائيلية.
تفاعل شعبي واسع
وتزامن ذلك مع تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي مع كلمة جلالة الملك، حيث برزت رسائل الأمن الوطني والمياه والحدود والمصالح الأردنية في مقدمة ما تداوله الأردنيون.
وحظيت عبارة جلالته: "لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا" باهتمام لافت، إلى جانب تأكيده أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يُساء تفسيره على أنه ضعف.
كما ركز المتفاعلون على مواقف جلالة الملك بشأن غزة والضفة الغربية والقدس، ودعوته المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، ودعم الشعب الفلسطيني ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات.
وأكد أمين عام حزب القدوة الأردني إياد النجار أن خطاب جلالة الملك عكس ثوابت الدولة الأردنية وحرصها على حماية مصالحها الوطنية والدفاع عن القضايا العربية، مشيراً إلى أهمية الموقف الأردني في المحافل الدولية ودوره في دعم الأمن والسلام والاستقرار.
وبين مختلف المواقف السياسية والنقابية والشعبية، برزت في أصداء الخطاب رسائل رئيسية تتعلق بالقضية الفلسطينية ورفض التهجير والاستيطان، وضرورة تطبيق القانون الدولي، إلى جانب التأكيد على أن الأردن يتمسك بالدبلوماسية والسلام والحلول السياسية، وفي الوقت نفسه يحمي أمنه وحدوده ومياهه ومصالح شعبه في مواجهة التطورات الإقليمية المتسارعة.